لا سلام بدون احترام القانون الدولي، ولا احترام للقانون الدولي دون ضغط من الاتحاد الأوربي
بعد مرور عام على الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة، يواصل الاتحاد الأوروبي في الواقع العملي تعزيز علاقاته الاقتصادية والتقنية والتجارية مع إسرائيل في عدد من القطاعات،
على الرغم من استمرار الحصار المفروض على قطاع غزة وغياب المساءلة، وعلى الرغم من قرار يونيو/ حزيران 2009 بتعليق عملية رفع مستوى علاقاتها مع إسرائيل. ويعادل نهج الاتحاد الأوربي في "العمل كالمعتاد" تجاهل السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مما يلوح الى تجاهل الاتحاد الأوروبي أو عدم اعتراضه على سلوك إسرائيل.
بعد مرورعام على الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة (من 27/12 إلى 18/1) وعلى الرغم مما خلصت إليه بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة من أن كلا من القوات العسكرية الإسرائيلية والجماعات الفلسطينية المسلحة انتهكت القانون الدولي وارتكبت جرائم حرب تصل إلى مستوى الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف وربما جرائم ضد الإنسانية، لم يتعرض أحد للمساءلة عن الجرائم التي ارتكبت، رغم مقتل أكثر من 1400 فلسطينياً و 13 إسرائيلياً وتعرض ما يقدر بإثنين وعشرين ألف مبنىٍ للتدمير الكامل أو للضرر البالغ. علاوة على ذلك، استمر الحصار غير المشروع لمليون ونصف مليون شخص في قطاع غزة، مما أدى إلى تدهور جذري في الوضع الإنساني في القطاع .
نظراً للعلاقة الوثيقة بين الاتحاد الأوربي وإسرائيل وموقفه بوصفه الجهة المانحة الرئيسية للفلسطينيين، فإن الاتحاد والدول الأعضاء فيه البالغ عددها 27 دولة تتحمل مسؤولية خاصة لضمان أن حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني يحظيان بالاحترام في قطاع غزة. ولا يكفى ان يقع على عاتق تلك الدول التزام بكفالة احترام اتفاقيات جنيف بصفتها أطرافاً سامية متعاقدة في تلك الاتفاقيات, بل يجب عليها أيضاً أن تتمسك بالالتزامات التعاهدية للاتحاد الأوروبي. على وجه الخصوص، يجب عليها احترام المادة 11 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، التي تنص على توطيد سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان باعتبارها أحد أهداف السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي.
هذا وتصر حكومة إسرائيل على أن سلوكها في سياق الهجوم على غزة لا يشكل انتهاكاً لقوانين الحرب. وعقب فضح وسائل الإعلام للانتهاكات الجسيمة وتعرضها لبعض الضغوط الخارجية، فتحت الهيئات العسكرية الإسرائيلية تحقيقات داخلية بشأن ادعاءات تستند إلى شكاوى مقدمة من منظمات غير حكومية. ولكن على الرغم من أن عدداً قليلا منها أدى إلى إجراء تحقيقات جنائية، إلا أنها تظل في إطار النظام العسكري ولا تتطابق مع المعايير السليمة الخاصة بالسرعة والفعالية والاستقلال والشفافية. ولا تفحص التحقيقات الجارية مستويات السياسة ولكن تربط الانتهاكات فقط بحوادث متفرقة ارتكبها جنود فرادى. وتأسف الشبكة الأورو-متوسطية لحقوق الإنسان أن الدعوة من داخل إسرائيل وبعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في الأحداث التي وقعت لم يتم الرد عليها، وأنه في أكتوبر/ تشرين الأول، أعلنت السلطات الحكومية السياسية والأمنية الإسرائيلية رفضها لجميع هذه المقترحات.
هذا وتثني الشبكة الأورو-متوسطية على قرار السلطة الفلسطينية بتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق, يجري حالياً إنشاؤها من قبل مجلس الوزراء الفلسطيني. وستتألف هذه اللجنة من عدد من القضاة المستقلين من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وخارجها وستكلف بالتحقيق في جميع الادعاءات الخاصة بانتهاك قواعد القانون الدولي والتي ارتكبتها كل من السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة حماس.
وتلاحظ الشبكة التزام الاتحاد الأوروبي "بتقييم" تقرير غولدستون " على محمل الجد" (1) و"متابعة" التحقيقات التي تقوم بها الأطراف في الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي "عن كثب" (2). ومع ذلك، وحتى يومنا هذا، أخفق الاتحاد الأوروبي برمته في تقديم دعم فعال للجنة تحقيق مستقلة في الانتهاكات التي ارتكبت – على النقيض من دعمه النشط لمثل هذه التحقيقات في نزاعات أخرى حديثة العهد (3) - والسعي إلى المساءلة عن انتهاكات للقانون الدولي الإنساني التي ارتكبتها كل من إسرائيل والجماعات الفلسطينية المسلحة. كما فشل الاتحاد الأوروبي في دعم توصيات غولدستون في الأمم المتحدة، استناداً إلى الزعم بأن الضغط الايجابي على كلا الجانبين لفتح تحقيقات محلية مستقلة وسليمة أفضل من التهديد بآليات العدالة الدولية. ومع ذلك، لم يتخذ الاتحاد الأوربي عملياً أي خطوات ملموسة لتشجيع الجانبين على إجراء تحقيقات من هذا القبيل، كما لا يرصد الخطوات التي تتخذها إسرائيل والفصائل الفلسطينية نحو هذه الغاية.
على العكس من ذلك، تميل العديد من الدول الأعضاء إلى اعتبار تقرير غولدستون عقبة في سبيل "عملية السلام". فأثناء تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2009 على قرار يدعم تقرير مجلس حقوق الإنسان ويقترح مزيداً من الخطوات لضمان إجراء تحقيقات نزيهة ومساءلة، أبدى الاتحاد الأوربي عدم اتساق وعدم توافق في الآراء، ولم يرقى إلى مستوى التزاماته المعلنة بمكافحة الإفلات من العقاب (4] ودعم سيادة القانون وتعزيز احترام القانون الدولي.
وترحب الشبكة باللهجة الأكثر قوة بشأن غزة في استنتاجات المجلس حول عملية السلام في الشرق الأوسط في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2009. ومع ذلك، بينما تحدث الاتحاد الأوروبي علناً ضد الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة بصفة عامة، داعياً إلى فتح فوري وغير مشروط للمعابر، إلا أنه لم يعلن بعد أن الحصار غير مشروع بموجب القانون الدولي ولا كعقاب جماعي (5). في مارس/آذار 2009، تعهد الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي ككل بتقديم 4.5 مليار دولار أمريكي في شكل معونة أثناء مؤتمر الجهات المانحة المنعقد في شرم الشيخ لإعادة إعمار قطاع غزة. وبقيام الاتحاد الأوربي بذلك دون الضغط في الوقت نفسه على إسرائيل من أجل الإقرار بالتزاماتها بموجب القانون الدولي والتقيد بها، فإنه أعفي إسرائيل من التزاماتها القانونية ومن مسؤوليتها بصفتها سلطة الاحتلال من أجل توفير الرعاية للسكان المدنيين الفلسطينيين المشمولين بالحماية. وفي حين أن الحصار المستمر على قطاع غزة منع تلك المساعدات من الوصول إلى من هم في أمس الحاجة إليها، أحجم الاتحاد الأوروبي أيضاً عن السعي للحصول على أي تعويض عن الضرر الذي لحق بالمشاريع تحت الإنشاء التي يمولها
الاتحاد الأوروبي في غزة أثناء الهجوم العسكري الإسرائيلي على القطاع (6). ولم يسعَ الاتحاد الأوروبي للحصول على ضمانات من إسرائيل بشأن تجنب تدمير مشاريع الاتحاد الأوروبي وإلحاق أضرار بها في المستقبل. علاوة على ذلك، وعملياً، لم يحرك الاتحاد الأوربي ساكناً إزاء العقاب الجماعي الاسرائيلي وإغلاق قطاع غزة. فعلى سبيل المثال، من خلال السماح بالقيود الإسرائيلية على مشتريات الوقود، والعمل في ظل تلك القيود، أقر الاتحاد الأوروبي ضمناً بشرعية هذه القيود. التي تقدر بحوالي 12.35 مليون يورو.
كما فشل الاتحاد الأوروبي أيضاً في دعم أقواله بالأفعال. فعلى الرغم من استمرار الحصار المفروض على قطاع غزة وغياب المساءلة، وعلى الرغم من قرار يونيو/ حزيران 2009 بتعليق رفع مستوى العلاقات بين الاتحاد الأوربي وإسرائيل، فإن الاتحاد الأوروبي مستمر على المستوى العملي في تعزيز علاقاته الاقتصادية والتقنية والتجارية مع إسرائيل في العديد من القطاعات (1). ويعادل نهج الاتحاد الأوروبي في "العمل كالمعتاد" تجاهل السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مما يلوح بصمت الاتحاد الأوروبي أو عدم اعتراضه على سلوك إسرائيل.
وعلى الرغم من الدور الرئيسي للاتحاد الأوروبي بصفته عضواً في اللجنة الرباعية للوساطة في "عملية السلام" منذ التوقيع على اتفاقات أوسلو، فإن الاتحاد الأوروبي تبنى في كثير من الأحيان خطاباً وممارسة كانا يضحيان فعلياً بحقوق الإنسان والقانون الدولي من أجل النهوض "بعملية سلام" غير موجودة. إن سعى الاتحاد الأوروبي الحثيث من أجل "حل الدولتين" جنباً إلى جنب مع ازدياد صمته على انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي يشكلان صميم فشل سياسته من أجل إيجاد حل سلمي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني (2). وقد تمت تجربة هذا النهج ولكن أثبت فشله.
ولذلك، فإن الشبكة الأورو-متوسطية لحقوق الإنسان تحث الاتحاد الأوروبي على إعادة حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني إلى محور سياسته، ومع القيام بذلك، تحثه أيضاً على ما يلي:
• دعوة إسرائيل وحماس والسلطة الفلسطينية إلى الشروع على الفور في تحقيقات مستقلة وموثوق بها بما يتوافق والمعايير الدولية في الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان الدولية والقانون الدولي الإنساني التي أفادت بها بعثة تقصي الحقائق، من أجل ضمان المساءلة والعدالة؛
• أن تلعب دوراً فعالاً في مساعدة الأمم المتحدة في رصد التحقيقات المحتملة وغيرها من الإجراءات التي تهدف إلى ضمان تنفيذ القانون الدولي. وفي هذا الصدد، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يراقب عن كثب - بالتعاون مع منظمات إسرائيلية وفلسطينية لحقوق الإنسان- إذا كان كل من إسرائيل والجانب الفلسطيني يجريان تحقيقات محلية مستقلة وذات مصداقية في الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان التي أشار إليها تقرير غولدستون. وينبغي للاتحاد الأوروبي أن يرفع تقريراً بشأن النتائج التي توصل إليها إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن والأمين العام.
• تقديم المعونة للأراضي الفلسطينية المحتلة على نحو لا يعفي إسرائيل من التزاماتها ومسؤولياتها القانونية تجاه السكان المدنيين الفلسطينيين المشمولين بالحماية ولا يقر أفعالاً غير مشروعة دولياً مثل فرض إسرائيل قيوداً على إمدادات الوقود (3).
• إدانة الحصار المفروض على غزة بوصفه عقاباً جماعياً وبيان عدم مشروعيته بموجب القانون الدولي.
• اتخاذ موقف حازم قوامه أن أي رفع لمستوي العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل مشروط بإحراز تقدم ملموس في مجال احترام إسرائيل لحقوق الإنسان الدولية والقانون الإنساني في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، فضلاً عن التزاماتها إزاء عملية السلام. ويشمل ذلك رفع الحصار المفروض على قطاع غزة والشروع في إجراء تحقيق مستقل وموثوق به في الهجوم العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة على غرار ما أوصى به تقرير غولدستون.



أرسل التعليق